محمد بن جرير الطبري

394

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جزاؤه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه عند الله في معاده . ويعني بقوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون ، المخلصين له الدين في الآخرة من عقابه وعذاب جحيمه ، وما قدموا عليه من أعمالهم . ويعني بقوله : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا ، ولا أن يمنعوا ما قدموا عليه من نعيم ما أعد الله لأَهل طاعته . وإنما قال جل ثناؤه : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد قال قبل : فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ لأَن " من " التي في قوله : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ في لفظ واحد ومعنى جميع ، فالتوحيد في قوله : فَلَهُ أَجْرُهُ للفظ ، والجمع في قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ للمعنى . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قال أبو جعفر : ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم لبعض . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، وحدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قالا جميعا : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء ؛ وكفر ب‌عيسى ابن مريم وبالإِنجيل . فقال رجل من أهل نجران من النصارى : ما أنتم على شيء ؛ وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة . فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ إلى قوله : فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قال : هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . وأما تأويل الآية ، فإن قالت اليهود : ليست النصارى في دينها على صواب ، وقالت النصارى : ليست اليهود في دينها على صواب . وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين إعلاما منه لهم بتضييع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإِقرار بصحته وبأنه من عند الله ، وجحودهم مع ذلك ما أنزل الله فيه من فروضه ؛ لأَن الإِنجيل الذي تدين بصحته وحقيقته النصارى يحقق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام وما فرض الله على بني إسرائيل فيها من الفرائض ، وأن التوراة التي تدين بصحتها وحقيقتها اليهود تحقق نبوة عيسى عليه السلام وما جاء به من الله من الأَحكام والفرائض . ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم في قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ مع تلاوة كل واحد من الفريقين كتابه الذي يشهد على كذبه في قيله ذلك . فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون ، وأتوا ما أتوا من كفرهم بما كفروا به على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون . فإن قال لنا قائل : أو كانت اليهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله على شيء ، فيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر مبطلا في قيله ما قال من ذلك ؟ قيل : قد روينا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس قبل ، من أن